تَرْكُهُ سُنَّةٌ
من المقرر عند العلماء أن كل عبادة لم يشرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أو لم يتقرب بها إلى الله بفعله , فهي مخالفة لسنته 0لأن السنة على قسمين : سنة فعلية , وسنة تركية 0 فما تركه صلى الله عليه وسلم من تلك العبادات فمن السنة تركها0
ألا ترى مثلاً أن الآذان للعيدين مع كونه ذكراً وتعظيماً لله عز وجل لم يجز التقرب به إلى الله عز وجل !! وما ذاك إلا لكونه سنة تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
ومن أدلة ذلك : حديث الثلاثة نفر الذين جاؤوا إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته؟ فلما أخبروا بها , كأنهم تقالّوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبداً ! وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر ! و قال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً ! فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :انتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله ,وأتقاكم له, لكني أصوم, وأفطر وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني.[ البخاري ومسلم].
فهذا الحديث يشير إلى سعي هؤلاء النفر الثلاثة للقيام بعبادة مشروعة الأصل ، لكن بكيفية لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأصل الصيام مرغّب فيه ، وأصل القيام مندوب إليه ، وأصل العفاف محبوب مطلوب 0 ولكن لما كانت الكيفية والصفة التي قام بها هؤلاء الثلاثة في هذه العبادات (متروكة)في تطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وغير واردة فيه ، أنكر ذلك عليهم 0وهذه ترجمة عملية منه صلى الله عليه وسلم لقوله ((من عمل عملاً عليه أمرنا فهو رد)) [مسلم.]
قال الحافظ ابن رجب في"..فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلاّ على علمٍ أنه لا يعمل به" [فضل علم السلف ص31]
وقد ذكر العلامة الشنقيطي في ((أضواء البيان 6/317-320)) بحثاً ماتعاً في أن الترك فعلٌ فهذا يؤكد أن الترك سنة إذ تعريف السنة "ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة )"فتمام إتباع السنة يكون بترك ما ورد تركه وفعل ما ورد فعله وإلاّ فباب البدعة يفتح على مصراعيه ، عياذاً بالله0
قال الإمام الشاطبي في الاعتصام 1/42.
"البدعة من حيث قيل فيها : إنها طريقة في الدين مبتدعة...))يدخل في عموم لفظها البدعة التركية كما يدخل فيه البدعة غير التركية .فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم .."
و من هنا يمكن أن يقال : " فعل ما ترك-صلى الله عليه وسلم- كترك ما فعل" و المعنى أنك أيها المسلم كما تتحرج أشد الحرج في ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم و ترى نفسك مخالفاً مقصرا بذلك .. فكذلك إذا فعلت شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم !! لأن ذلك يستلزم الاستدراك عليه صلى الله عليه وسلم!!
تطبيق :
من المقرر عند الجميع ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده ، بل و لا احتفل به أصحابه من بعده رضوان الله عليهم ؛ و هذا يدل دلالة واضحة على أن تركه صلى الله عليه وسلم لهذا الاحتفال سنة تركية ؛ و عيها مشى صحابته لأنهم ما كانوا يجاوزون هديه الشريف صلى الله عليه وسلم. و مهما ادعى المدعون من المسوغات لهذه الاحتفالات التي يعملونها فإن لا ترقى لمقاومة السنة التركية الواضحة ، و التي يعضدها أن نعتقد جازمين أنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين و لم يكتم شيئاً من الدين ، و أنه كان هذا الاحتفال خيراً لما سبقه إليه أحد من الناس!! و هو أكمل الناس طاعة و حرصاً على الخير و نصحاً للأمة.
فيتبين بهذا التطبيق أن الاحتفال بمولده سنة تركية ، يلتزمها و يسير عليها من صدقوا في محبته صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم و أن يهدينا سبل السلام.




